إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X

الجهاد في سبيل نشر الإسلام

تقليص
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الجهاد في سبيل نشر الإسلام

    الجهاد في سبيل نشر الإسلام




    فلما قامت للإسلام دولة في المدينة، شرع الله الجهاد دفاعاً عن النفس فقط في أول الأمر: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39)، (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190) ثم أذن بمبادرة العدو للتمكين للعقيدة من الانتشار دون عقبات، ولصرف الفتنة عن الناس ليتمكنوا من اختيار الدين الحق بإرادتهم الحرة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (البقرة:193).
    وقد التزم المقاتلون المسلمون بضوابط الحق والعدل والرحمة، فسجل التاريخ لهم انضباطهم الدقيق، حيث لم ترد أية إشارة إلى القيام بمجازر، أو سلب الأموال، أو الاعتداء على الأعراض في المناطق المفتوحة مما يقع عادة في الحروب المدنية خلال مراحل التأريخ المختلفة. وقبل ذلك كله لم تفرض العقيدة الإسلامية بالقوة على سكان المناطق المفتوحة، بل سمح لأهل الكتاب بالمحافظة على أديانهم الأخرى، ولا زالوا يعيشون بأديانهم حتى الوقت الحاضر بسبب السماحة الدينية.
    وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يبين للمسلمين ضرورة اقتران النية بالجهاد، وأن لا يكون الدافع إلى القتال الحصول على الغنائم، أو الرغبة في الشهرة والمجد الشخصي، أو الوطني، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) رواه مسلم.
    بل لا بد من إخلاص النية لله بأن لا يقترن القصد من الجهاد بأي غرض دنيوي لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغى به وجهه. وفى الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (تضمَّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي، وتصديقاً برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم ـ جرح ـ يكلم في سبيل الله إلا ما جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عنى، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فى سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) رواه مسلم.
    ومن الصعب تقديم النماذج الكثيرة التي توضح أثر هذه التوجيهات النبوية على نفسية المقاتل المسلم، ولكن يمكن اختيار نموذجين لمقاتلين من عامة الجند، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للمسلمين أثناء القتال في غزوة أحد: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فسمعه عمير بن الحمام الأنصاري فقال: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض! ؟ قال: نعم فقال بخ بخ ـ كلمة تقال لتعظيم الأمر في الخير ـ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر وقاتلهم حتى قتل) رواه مسلم. فهذا النموذج الأول.
    أما الثاني: فقد صح أن أعرابياً شهد فتح خبير، أراد النبي صلى الله عليه و سلم أثناء المعركة أن يقسم له قسماً وكان غائبا، فلما حضر أعطوه ما قسم له، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأدخل الجنة. قال: (إن تصدق الله يصدقك) قال: فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفنه النبي صلى الله عليه و سلم بجبته، وصلى الله عليه ودعا له، فكان مما قال: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيدا، وأنا عليه شهيد) مصنف عبد الرازق.
    فهذه الرواية شاهد قوى على ما يبلغه الإيمان من نفس أعرابي ألف حياة ألغزوه والسلب والنهب في الجاهلية فإذا به لا يقبل ثمنا لجهاده إلا الجنة، فكيف يبلغ الإيمان إذاً من نفوس الصفوة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟!.
    أقسام الجهاد
    يكون الجهاد بالكلمة، وبالمال، وبالنفس، وفيما يلي تعريف بكل قسم من هذه الأقسام:
    الجهاد بالكلمة
    إن المقصود بالجهاد بالكلمة هو الدعوة إلى الله تعالى، ببيان العقيدة والشريعة وتربية الناس ويفقههم، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتوجيه النصح للحاكم، وخاصة إذا كان جائراً، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) رواه أبو داود، وقال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله). أبو داود وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وذلك لأن الناس تهاب الظالم ولا تنصحه مما يؤدى إلى الطغيان والانحراف عن الاستقامة والمخالفة لدين الله، فكان أجر من يسعى إلى تقويم الحاكم الجائر عظيماً، لأن عودته إلى الاستقامة وطاعة الله تعالى تؤدى إلى إحياء فريضة الجهاد في المجتمع، وتهيئة الأمة روحياً وجسمياً وفكرياً لمتطلباته.
    الجهاد بالمال
    حض الإسلام على الجهاد بالمال، لما له من أثر كبير في تجهيز الجيوش بالسلاح والأدوات والتدريب، مما يقتضى صرف الأموال الوفيرة، وتقوم الدولة في الوقت الحاضر بهذا الواجب، فتصرف من الموارد العامة على إعداد الجيوش، وعند الحاجة، أو نقص الموارد، فيجب على أغنياء المسلمين دعم الجهاد بأموالهم، قال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة:41). وقد سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم : أي الناس أفضل ؟ فقال: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) رواه البخاري.
    الجهاد بالنفس
    يحرص الإسلام على السلم، ويدعو الناس إلى الدخول فيه، كما يحرص على هدايتهم، بالبيان والترغيب، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلى رضي الله عنه. حين وجهه لقتال يهود خبير: (لئن يهدى الله بك رجلا خبر من أن يكون لك حمر النعم) رواه مسلم.
    ولكن الإسلام يحث أيضا على القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الدين، أو الدفع عن أرض المسلمين إذا هوجموا من عدوهم، والجهاد بالنفس من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين، إلا عندما تغزى أرض المسلمين فإنه يصبح فرض عين يقوم به كل قادر على القتال، قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15).
    وخاتمة القول: إن الجهاد شرع في الوقت المناسب، وشرع لإقامة الحق والعدل، ونشر رسالة الإسلام وإزاحة العوائق من أمام هذه الرسالة لتصل للناس أجمعين.






    اقرأ كتاب الله ترقى جنانه ... وتنل عظيم الأجــر والغفــران


    رتله روي القلب من نفحاته ... كالماء يروي لهفة العطشان

  • #2
    رد: الجهاد في سبيل نشر الإسلام


    مشكور ابا عبد الرحمن
    ------------------------

    تعليق


    • #3
      رد: الجهاد في سبيل نشر الإسلام

      ثم إن المتتبع لتطور تشريع الجهاد في عصر نزول القرآن، يجد أنه أكثر التشريعات تدرجاً، ومراعاة لأحوال الجماعة المسلمة، وارتباطاً بها من حيث القلة والكثرة، والقوة والضعف. ثم لم يصدر للمسلمين أي إذن بالقتال حتى قامت لهم دولة، وكان لهم كيان مستقل في المدينة المنورة. حيث تدرجت الأحكام من الإذن بالقتال، إلى الأمر المطلق به في حق بعض، والأمر المقيد في حق آخرين.
      تطور أحكام القتال في الإسلام في سياقاتها المتعددة، كانت مفتاحاً لقراءة واقع المسلمين في عصر الرسالة الأول. وستبقى هذه الآيات على مر العصور مرتكزات لحركة المسلمين السياسية العامة حسب الظروف التي تحيط بهم. إن دعوى أن آية السيف قد نسخت كل ما سبقها من آيات تأمر بالصبر والحلم والإعراض عن المشركين، والمجادلة بالتي هي أحسن، وكذا ما سبقها من آيات القتال في ظروفها المختلفة دعوى تجاوز بها بعض المفسرين حدود العلم حتى بدت وكأنها سيف حقيقي على أحكام القرآن.
      قوله تعالى: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة..) حكم رباني يطبق في الظروف التي تقتضيه حسب قراءة الجماعة المسلمة لواقعها، أو تقرير ولي الأمر لذلك. وقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) آية محكمة لا تنسخها آية السيف، وإنما تبقى أصلاً من أصول الدعوة في هذا الدين. وقوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..) آية محكمة أخرى لا تنسخها آية السيف، إذ للجدال والحوار مقامه، وللقتال والنزال مقامه.
      في كل عصر من العصور يعمل من أحكام الجهاد ما يتناسب مع واقع المسلمين: جماعة، أو دولة، وقدراتهم. ولا يمكن أن تطبق أحكام النهايات في عصر الإسلام الأول، على بدايات أي كيان إسلامي ناشئ، أو قائم في عهد من عهود اختلال موازين القوى، بين المسلمين وأعدائهم اختلالاً بيناً مما يؤدي إلى تدمير الوجود الإسلامي، واستئصال شأفة المسلمين.
      الوقفة الثالثة
      مناطات الجهاد
      وللعلماء في مناطات الجهاد أقوال لا يجوز الخروج عليها، فجهاد الكلمة بشعبه المختلفة مناطه أهل العلم والحكمة، العالمين بحقائق الشريعة، ومواقع القول، وسياقات الكلام ومآلاته. وكم حذر العلماء من إنكار لمنكر يفضي إلى ما هو أكبر منه. أو أمر بمعروف يفوت ما هو أولى منه.
      بينما يتولى ولاة الأمور حصراً أمر الجهاد القتالي ـ غير جهاد الدفع ـ فلا يتقدمهم فرد ولا جماعة في ذلك، إلا أن يكون منهم إذن عام مسبق. وإليك أقوال العلماء: قال ابن قدامة الحنبلي في كتابه المغنى: (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك)(10). وقال في موضع آخر من الكتاب نفسه (ولا يخرجون ـ أي للجهاد ـ إلا بإذن الأمير لأن الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدد وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين).
      وقال القرافي المالكي في كتابه الإحكام (.. إن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس)(11).
      وجاء في الشرح الصغير على أقرب المسالك ـ مالكي أيضاً ـ للدردير قوله: (وتعين الجهاد بتعيين الإمام لشخص.)(12)
      وقال التهانوي في كشاف القناع (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، لأنه أعرف بحال الناس، وبحال العدو ونكايتهم، وقربهم وبعدهم.)(13)
      ولا يخفى أن حكمة أن يناط أمر الجهاد بالإمام، أو المتولي كما أشارت إليه النصوص السابقة، لأنه أقدر على تقدير ميزان القوى، ونتائج المعركة. ولم يترك ذلك للأفراد لكي لا يتقدموا الحاكم أو الإمام بفعل، تكون جريرته على المسلمين عامة، ويحملوا بذلك المسلمين ما لا قبل لهم به. ولا يرد في هذا السياق التشكيك بتقوى المتولي، وشرعيته. فأصل الأمر في هذا أن الغزو كما الصلاة يكون وراء كل بر وفاجر. وهذا الأمر بشأن الغزو آكد وأوضح.
      وفي جهاد الدفع أي حيث يحتل العدو بلد المسلمين فيسقط إذن الإمام ويكون من حق كل مسلم أن يدفع عن أرضه وعرضه ودينه بما يستطيع. ويخرج إلى ذلك الرجل والمرأة والعبد بدون إذن مسبق.
      الوقفة الرابعة
      في مناط التغيير باليد داخل المجتمع
      وإذا كان القتال خارج حدود الدولة مناطاً بالإمام أصلاً، فإن إقامة الحدود، وتتبع المنكرات، وأهل البدع والريب والنفاق لا يمكن أن يكون من حق فرد أو مجموعة، مهما كانت الظروف، وكان الاجتهاد.
      فإقامة الحدود كما هو مجمع عليه عند أهل العلم إنما هي من شأن الإمام واختصاصه، وإن تقاعس عنها أو تركها، فليس لأحد من المسلمين أن يتولاها دونه.
      وأهل النفاق على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم، لا يجاهدون إلا بالحجة والبيان والبلاغ، والصبر على أذاهم تارة والإغلاظ عليهم بالقول أخرى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) ومعلوم أن الإغلاظ إنما يكون بالقول، وبالقول البليغ أخرى (.. وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً.)
      وتكفير الناس، والحكم عليهم بالردة أو الخروج من الملة ليس من شأن الأفراد، ولا من حقهم، وبالتالي فإن البناء على مثل هذه الأحكام ومبادرة الحاكم إلى العدوان على هؤلاء الناس بأي شكل من أشكال العدوان تحت شعار إنكار المنكر، أو تغييره باليد، ليس من دين الله في شيء، وإنما هو مفضٍ إلى الفوضى والاضطراب، وتمزيق وحدة المجتمع.
      لقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين، وهو مطلع على حقيقة نفاقهم لئلا يقال: إن محمداً يقتل أصحابه، فكيف يمكن لفرد أن يحكم بالكفر والردة على آخر بسبب قول أو فعل يمكن أن يكون له عند صاحبه أكثر من تأويل.
      ثم إن واجب الداعية في كل عصر أن يكثر سواد المسلمين، وأن يربط الناس بربقة الإسلام ولو بشعرة، لا أن يشرذمهم يمنة ويسرة.
      الوقفة الخامسة
      مبدأ القتال وعلته
      القتال للمقاتلين
      ثم إن الإسلام إنما شرع القتال لرد عدوان المعتدين، ممن يريدون بالمسلمين شراً، وبالإسلام سوءاً قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(14). والعدوان هو قتال غير المقاتلين، من موادعين ومسالمين، ومن أفراد يكونون وسط المقاتلين كالنساء والأطفال والرهبان والأجراء والزراع، أو يكون العدوان في الخروج على آداب القتال بالمثلة أو بالحرق بالنار أو بقتل الحيوان أو قطع الشجر، أو الفساد في الأرض. وإليك التفصيل:
      أولاً قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) فحكم غير منسوخ.
      قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (.. قال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد هي محكمة.) أي الآية محكمة غير منسوخة. ثم قال القرطبي (أي قاتلوا الذين هم في حالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم.) وقال أبو جعفر النحاس: (هذا أصح القولين في السنة والنظر)(15).
      وتأمل قول القرطبي رحمه الله تعالى ـ الذين هم في حالة من يقاتلونكم ـ لتعلم أن المقصود هو من يقاتلكم أو يستعد لقتالكم بإعداد وتعبئة وحشد. ولعل هذا الذي أشكل على كثير ممن ذهبوا إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف لما رأوا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومبادرته إلى مواجهة مراكز الخطر التي تتهدد المسلمين كما في غزوة خيبر، وغزوة مؤتة، ومسيره إلى تبوك.
      وقال الألوسي في روح المعاني (ولا تعتدوا) (أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلام وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس. أو لا تعتدوا بوجه من الوجوه كابتداء القتالأو قتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة، أو قتل من نهيتم عن قتله)(16). وقال البغوي (.. وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا..) أي لا تبدؤوهم بالقتال(17).
      وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القتال إنما وجب لمن يقاتل، وخالف في ذلك الشافعي رحمه الله تعالى. فقد رأى الجمهور أن العلة في مشروعية القتال هي إطاقة القتال لمن يتربص بالمسلمين. قال ابن تيمية في السياسة الشرعية: (لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله تعالى كما قال تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين). وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق. كما قال تعالى (والفتنة أكبر من القتل) أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، يعاقب بما لا يعاقب عليه الساكت)(18).
      وقد ذهب بعض المفسرين في تأكيد أن القتال والجهاد، لا يكون إلا في مقاتل وممانع حيث اعتبرت المقاتلة والممانعة هي علة الأمر بالقتال والجهاد. وليس محض الكفر الذي إن انتفى معه هذان العنصران (المقاتلة والممانعة) لم يضر (إلا) صاحبه كما قرره ابن تيمية. فقد ذهب هؤلاء إلى صيغة (المفاعلة) في (جاهد) و(قاتل) لا تكون إلا بالمشاركة حسبما تقتضيه لغة العرب.
      قال الطاهر بن عاشور في قوله تعالى (وجاهدهم به جهاداً كبيراً.) وصيغة المفاعلة ليفيد مقابلة مجهودهم بمجهود فلا يهن ولا يضعف ولذلك وصف الجهاد بالكبير أي الجامع لكل مجاهدة(19).
      وقال القرطبي في أحكام القرآن بعد أن نقل عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد القول بأن قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم.) أنه محكم غير منسوخ قال القرطبي (.. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين في السنة والنظر. فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. رواه الأئمة. وأما النظر فإن فاعل لا يكون في الغالب إلا من اثنين كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة. والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون وبهذا أوصى أبو بكر رضى الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام)(20).
      وقد تواردت أقوال العلماء، على أن المقصود من قوله تعالى (ولا تعتدوا) هو النهي عن قتل غير المقاتلين من نساء وأطفال ورهبان وفلاحين وأجراء، وممن ألقى السلام، ونفض يده من الحرب.
      إن علة الأمر بالقتال للكفار هي مقاتلتهم للمسلمين، أو ممانعتهم لانتشار الدعوة، وليس كفرهم المحض، الذي لا يضرون به سوى أنفسهم.
      إن اعتبار آية السيف ناسخة لقوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا..) فيه تجاوز لسيرورة أحكام الجهاد التاريخية. حيث يؤكد سيد قطب رحمه الله تعالى ومن سبقه من المفسرين أن آية السيف إنما تعلقت بمشركي العرب في الجزيرة العربية لتكون مخلصة لدين الله قال سيد قطب رحمه الله تعالى في حاشية الصفحة 191 من المجلد الأول للظلال (نزل فيما بعد في سورة براءة الأمر بقتال المشركين في كافة الجزيرة العربية حتى يقولوا لا إله إلا الله.. وهذا هو التعديل الذي اطرد مع مقتضيات موقف الإسلام والجماعة المسلمة لتخلص الجزيرة للإسلام، فلا يدع وراءه أعداء له وهو يواجه عداوات الروم والفرس خارج الجزيرة(21).
      الوقفة السادسة
      غاية الجهاد كي لا تكون فتنة
      إن غاية القتال في الإسلام ومنتهاه هو أن يصير الناس في حالة من الحرية تنتفي معها الفتنة. (والفتنة لفظ يجمع معنى مرج واضطراب أحوال الإنسان، وتشتت باله بالخطر والخوف على الأنفس والأموال على غير عدل ولا نظام. وهي إلقاء الخوف في قلوب الناس واختلال نظام العيش)(22).
      وبالتالي فإن غاية الجهاد ألا يتعرض مؤمن لفتنة مادية أو معنوية تزيله عن دينه، أو عن شعيرة من شعائره، وكذا أن تنتفي الفتنة عن الكافر لئلا يحال بينه وبين الإسلام، إن هو اختاره. قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.)(23) وقال (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.)(24)
      وقال في تفسير المنار: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) عطف على قاتلوا في الآية الأولى. فتلك بينت بداية القتال. وهذه بينت غايته. وهي ألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، ولهذا قال الأستاذ الإمام ـ أي محمد عبده ـ أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها ويؤذونكم لأجل الدين، ويمنعونكم من إظهاره، أو الدعوة إليه. (ويكون الدين لله) (ويكون الدين كله لله) أي يكون دين كل شخص خالصاً لله، لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج إلى الدهان والمداراة أو الاستخفاء أو المحاباة(25).
      ثم إليك ما قرره سيد قطب رحمه الله تعالى حول قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (.. إن النص عام الدلالة، مستمر التوجيه، والجهاد ماض إلى يوم القيامة. ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين، وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله، والاستجابة لها عند الاقتناع، والاحتفاظ بها في أمان. والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة، وتطلق الناس أحراراً من قهرها، يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله.
      وهذا التكرار في الحديث عن دفع الفتنة بعد تفظيعها، واعتبارها أشر من القتل. هذا التكرار يوحي بأهمية الأمر في اعتبار الإسلام. وينشيء مبدأ عظيماً يعني في حقيقته ميلاداً جديداً للإنسان على يد الإسلام. ميلاداً تتقرر فيه قيمة الإنسان بقيمة عقيدته، وتوضع حياته في كفة وعقيدته في كفة، فترجح كفة العقيدة. كذلك يتقرر في هذا المبدأ من هم أعداء الإنسان.. إنهم أولئك الذي يفتنون مؤمناً عن دينه، ويؤذون مسلماً بسبب إسلامه، أولئك الذين يحرمون البشرية أكبر عنصر للخير، ويحولون بينها وبين منهج الله.
      فإذا انتهى الظالمون من ظلمهم وكفوا عن الحيلولة بين الناس وبين ربهم، فلا عدوان عليهم ـ أي لا مناجزة لهم ـ لأن الجهاد إنما يوجه للظلم والظالمين)(26).
      وقال الطبري في جامع البيان: [وقال آخرون معنى قوله (فلا عدوان إلا على الظالمين) فلا تقاتل إلا من قاتل] ثم يروي الطبري بإسناد عن مجاهد (لا تقاتلوا إلا من قاتلكم)(27).
      لقد كانت غاية الجهاد في الإسلام هو إبطال الفتنة بجميع أشكالها، وتحرير الإنسان من جميع الضغوط المادية والمعنوية، التي تؤثر في إرادته، وتحد من حرياته ليختار طريقه في هذه الحياة. وليس كما يزعم الزاعمون أن غاية الجهاد، هي حمل الناس على الإسلام، وإكراههم عليه. وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وقوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..) على وجه التحذير والإنذار أحكم من أن يفتات عليه أحد. الدين خيار فردي وحرّ، والإسلام يطالب بكسر كل طوق يحول بين الناس وبين دين الله، كما يطالب بإبطال فتنة تنصب على مؤمن ليتخلى عن دينه (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق).
      إن إطلاق خيار الإنسان الديني، في أجواء الدعوة الصحيحة، وفي ظروف التكافؤ في وسائل الخطاب وآلياته إنما ينم على ثقة مطلقة بأهلية هذا الدين، واستجابته لنداء الفطرة البشرية، وانسجامه مع قوانين العقل، واستعلائه التام على كل ما عداه من مزيج الأديان التي اختلط حقها بكثير من الباطل (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله). ولا غرو أن يشهد هذا الدين هذه الفيئة المباركة من أبنائه إليه، وأن يكون من أكثر أديان العالم نمواً، واكتساباً للجديد من المعتنقين، حيث يتآكل الباطل، وتتجدد روح النماء في الدين الحق، على الرغم من حالة الوهن التي يعيشها المسلمون، والتي تشكل بإطارها العام، التخلف والضعف والفقر والجهل، ضروباً من الفتنة تصد الآخرين عن دين الله.. أوليست هذه نقطة بداية للدعاة أن يقاوموا عوامل الوهن في مجتمعاتهم لكي لا تكون هذه العوامل فتنة في الصد عن دين الله !!
      نعم رغم أحداث الزمان .. ليس البعد ينسيني .. أنا عربي فلسطيني .

      تعليق


      • #4
        رد: الجهاد في سبيل نشر الإسلام



        بارك الله بك على هذا الطرح القيم

        وجزاك خيرا وغفر لك ولوالديك وللمسلمين جميعا




        ------

        تعليق

        يعمل...
        X