بالرغم من الأهمية الكبيرة التي يوليها المجتمع الأردني للتعليم والتي تتمثل في الزيادة الكبيرة لأعداد المتعلمين وقيام الأسر الأردنية بإنفاق نسبة كبيرة من ميزانيتها على تعليم الأبناء والبنات في الجامعات فإن التحولات الأخيرة في الاقتصاد الأردني جعلت التعليم عنصرا ثانويا في وسائل تكوين المال في الأردن.
صحيح أن التعليم لا يزال يحتل موقعه الاجتماعي المرموق وخاصة فيما إذا كان اللقب التعليمي مسبوقا بكلمة مهندس أو دكتور، ولكنه تراجع فيما يتعلق بامتلاك وبناء الثروة المالية لصالح وسائل اسرع وتحتاج إلى جهد ذهني اقل مثل المتاجرة بالعقارات والأراضي ومضاربات البورصة ووكالات الشركات الدولية والمنتجات المستوردة.
يحصل الخريج الجامعي لمرحلة البكالوريوس على راتب أولي قد لا يتجاوز 300 دينار في القطاع العام و400 في القطاع الخاص بينما تزيد هذه النسب بشكل طفيف لحملة الماجستير. بينما يحصل حامل شهادة الدكتوراة على راتب يتراوح بين 850-1300 دينار في الجامعات الأردنية في حال إبتسم له الحظ وأدت الواسطة دورها في التعيين. أما الموظفين في القطاع العام فلا يتجاوز معدل الرواتب لديهم 400 دينار وإذا حصل أحد ما على راتب يتجاوز 500 دينار يتم إثارة التساؤلات حوله وحول واسطاته والشكاوى من قبل الموظفين الآخرين. أما في القطاع الخاص فإن راتب 800 دينار قد يكون منطقيا ولكنه يحتاج إلى عمل لا يقل عن 12 ساعة في اليوم وضغوطات نفسية وبدنية وذهنية مرهقة بينما ترتبط الرواتب الأعلى بملكية القطاع الخاص والمناصب الإدارية العليا.
في حال أراد موظف يحمل شهادة الماجستير أو حامل لشهادة الدكتوراة في إحدى الجامعات أن يبني مستقبلا فإنه يحتاج إلى 5 سنوات على الأقل لاستعادة الإستثمار المالي في التعليم ومن ثم التفكير في العوائد الناجمة عن التعليم في حال تمكن هذا الشخص من الحفاظ على دخله وميزانيته الخاصة بدون ديون. وفي المقابل يمكن لشاب ذكي يمتلك القدرة على المضاربة بالبورصة وتجارة الأراضي والعقارات أن يحقق في صفقة واحدة لا تحتاج إلا إلى مجموعة اتصالات هاتفية ولسان معسول وتوقيع بضع أوراق ضعف ما يمكن أن يحققه حامل شهادة الدكتوراة من رواتب حتى يوم التقاعد.
وفي الوقت الذي يستنكر فيه المجتمع الأردني الرواتب العالية لأصحاب التخصص والكفاءة يعتبر أن بيع الأراضي والعقارات ومضاربة البورصة دخلا شرعيا ذكيا لا يتم إستنكاره. وفي واقع الأمر فإن إغراء الثراء السريع جعل نسبة كبيرة من موظفي الدولة والقطاع الخاص وحتى اساتذة الجامعات يدخلون سباق البورصة والأراضي وبعضهم نجح وبعضهم تعثر ماليا وذلك كله على حساب الوقت الذي يجب أن يخصص للعمل. نسبة لا يستهان بها من موظفي القطاع العام تستمر في العمل من أجل الراتب التقاعدي والضمان الاجتماعي ولكن مصدر الدخل الأساسي يصبح التجارة والتي تتم أثناء أوقات العمل الرسمي مع فقدان فرص الحصول فرص مالية ومعنوية مناسبة في المؤسسة التي يعملون بها إلا في حال تجاوز أخلاقيات العمل والدخول في شبكة الفساد المتجذرة والتي تزداد قوتها مع طغيان اسلوب الفهلوة في تسلق المناصب والمواقع الإدارية.
وفي الوقت نفسه فإن مؤسسات القطاع الخاص والجامعات ترفض منح الرواتب المناسبة حسب الكفاءة وغلاء المعيشة مما يجعل الشخص مضطرا إلى العمل الإضافي لمواكبة تكاليف المعيشة بدون حتى القدرة على التفكير في جمع مبلغ من المال يمكن إستثماره في مشروع يحقق ضمانا اقتصاديا. ولهذا نجد الكثير من اساتذة الجامعات يعتمدون على إجراء الإستشارات للقطاع الخاص وللمؤسسات التنموية الدولية والإقليمية كمصادر دخل إضافية تعتمد على العمل الذهني لمن لا يملك الفهلوة التجارية.
هجرة المتعلمين الأردنيين إلى الخليج وأوروبا والولايات المتحدة نتيجة طبيعية لعدم القدرة على التكيف مع مجتمع واقتصاد مبني على الفهلوة التجارية وتركيز بناء الثروة في قطاعت غير إنتاجية ولا تعتمد على التعليم ونخشى أن نصل إلى حالة يصبح فيها التعليم إستثمارا فاشلا من الناحية الاقتصادية ولا يبقى منه إلا القيمة الإجتماعية.